من أكبر أوهام الوجود أن نعتقد أننا نعرف حقًا من نحن.
عندما يُطلب من شخص أن يعرّف نفسه، فإنه غالبًا ما يتحدث عمّا يفعله، أو ما يفكر فيه، أو ما يحبه، أو ما عاشه، أو عن الطريقة التي يتفاعل بها مع العالم.
لكن كل ذلك يصف قصة أكثر مما يصف كينونة.
لأن ما نُسميه عادةً “أنا” ليس في كثير من الأحيان سوى مجموعة التكيّفات التي طوّرناها لعبور تجربتنا الإنسانية.
منذ الطفولة، تدخل الروح إلى عالم لا تزال تجهله.
وسرعان ما تتعلم أن بعض التصرفات تجلب القبول، بينما تؤدي تصرفات أخرى إلى الرفض.
فتبدأ بالتشكل.
هناك من يتعلم أن يكون قويًا حتى لا يُظهر ضعفه أبدًا.
وهناك من يتعلم أن يكون لا غنى عنه ليحصل على الحب.
وهناك من يصبح هادئًا ليتجنب الصراعات، أو يسعى إلى الكمال ليشعر أنه يستحق مكانه بين الآخرين.
ومع مرور الوقت، تتحول هذه الآليات إلى أنماط تلقائية.
وتندمج في شخصيتنا.
إلى أن يأتي يوم نطلق عليها اسم “أنا”.
ومع ذلك، فإن ما نسميه هويتنا ليس في كثير من الأحيان سوى مجموعة من الاستجابات التي بُنيت حول مخاوفنا، وجراحنا، وحاجتنا إلى الشعور بالأمان.
هذه البُنى ليست أخطاء.
بل لقد أدت دورًا أساسيًا.
فهي التي سمحت لنا بأن نختبر تجربة الانفصال.
ومن خلالها عشنا، وتعلمنا، وسقطنا، وفهمنا.
لكن لا يوجد قناع خُلق ليصبح وجهًا.
ولا حماية خُلقت لتصبح هوية.
ويأتي دائمًا وقت لا تستطيع فيه الروح أن تواصل توسعها من خلال التعريفات القديمة التي صنعتها عن نفسها.
عندها يبدأ أمر غريب بالحدوث.
فما كان يبدو يومًا أنه يعرّفنا، يبدأ تدريجيًا بفقدان صلابته.
تضعف الحاجة إلى الاعتراف بنا.
وتتراجع الحاجة إلى إقناع الآخرين.
وتفقد الرغبة في إرضاء الجميع سيطرتها علينا.
كما تتوقف الحاجة إلى أن نكون دائمًا على حق عن إدارة حياتنا شيئًا فشيئًا.
وما كان يبدو يومًا ضروريًا، يصبح ثانويًا.
وقد تكون هذه المرحلة مربكة وعميقة في الوقت نفسه.
فعندما تختفي المعالم القديمة، يعتقد العقل أننا نفقد هويتنا.
وقد يشعر بفراغ.
وبحيرة.
وبأننا لم نعد نعرف من نكون.
لكن الحقيقة هي العكس تمامًا.
فنحن لا نفقد أنفسنا.
بل نبدأ أخيرًا بلقاء ذلك الذي كان موجودًا قبل كل هذه البُنى.



اترك تعليقا
You must be logged in to post a comment.