منذ بداية التاريخ، رافق البشرية سؤال واحد.
هل حياتنا مكتوبة مسبقًا…
أم أننا أحرار في صنعها؟
هناك من يتحدث عن القدر.
وآخرون عن الكارما.
وهناك من يؤكد أن كل شيء يعتمد فقط على اختياراتنا.
لكن ربما يكون هذا التعارض ناتجًا عن نظرة غير مكتملة إلى الواقع.
فنحن غالبًا ما نعتقد أننا مضطرون للاختيار بين كونٍ تحدد فيه كل الأشياء مسبقًا، أو حرية مطلقة نصنع فيها كل شيء بأنفسنا.
لكن الحياة تبدو وكأنها تكشف لنا شيئًا مختلفًا.
في كل يوم، تحدث أمور لم نخترها.
لقاء.
انفصال.
فرصة.
مرض.
ولادة.
خسارة.
لسنا دائمًا من يختار ما يأتي إلى حياته.
لكن منذ تلك اللحظة، يبقى شيء واحد مفتوحًا بالكامل.
الطريقة التي نختار أن نعيش بها تلك التجربة.
وربما هنا تكمن الحرية الحقيقية.
فالحرية لا تعني بالضرورة أن نختار كل حدث.
بل أن نختار الوعي الذي نعبر به تلك الأحداث.
قد يمر شخصان بالتجربة نفسها تمامًا.
فيغرق أحدهما في الغضب.
بينما يكتشف الآخر فهمًا جديدًا.
الحدث واحد.
لكن التجربة مختلفة تمامًا.
غالبًا ما نعطي الظروف قوة لا تمتلكها في الحقيقة.
فنعتقد أنها هي التي تصنع واقعنا.
بينما هي في معظم الأحيان لا تفعل سوى أن تكشف طريقتنا في الوجود.
فالحدث يعمل كمرآة.
يكشف ما كان خفيًا في داخلنا.
خوف.
توقع.
تعلق.
معتقد.
أو حاجة إلى السيطرة.
لذلك، فإن ما يسميه البعض كارما قد لا يكون عقابًا ولا مكافأة.
بل قد يكون ببساطة لقاءً بين مستوى وعينا الحالي، والتجارب التي تسمح لهذا الوعي بأن ينكشف.
فالحياة لا توزع العقوبات.
بل تمنحنا فرصًا لنرى ما لا يزال يحتاج إلى الفهم.
لكن هذا اللقاء لا يحدد أبدًا الطريقة التي سنستجيب بها.
وهنا تحديدًا تكشف الإرادة الحرة عن معناها الأعمق.
فالاختيار الحقيقي لا يوجد دائمًا في الظروف نفسها.
بل في الطريقة التي ندركها بها.
كثيرًا ما نسأل:
“لماذا يحدث هذا لي؟”
لكن هذا السؤال قد يبقينا أحيانًا عالقين في محاولة تفسير الماضي.
بينما يفتح سؤال آخر بابًا أوسع للحرية:
“من أي مستوى من الوعي سأستجيب لما هو حاضر أمامي الآن؟”
عندها، نتوقف تدريجيًا عن رؤية أنفسنا كضحايا للقدر.
وفي الوقت نفسه، نتوقف أيضًا عن الاعتقاد بأننا نسيطر على الكون بأكمله.
فنكتشف طريقًا ثالثًا.
طريقًا تقدم فيه الحياة التجارب…
ويبقى الوعي حرًا في أن يمنحها معناها.
وربما ليس الحدث نفسه هو الذي يشكل وجودنا.
بل الطريقة التي يغيّر بها هذا الحدث فهمنا للحياة ولأنفسنا.
فالتحدي نفسه قد يصبح سجنًا.
وقد يصبح صحوة.
واللقاء نفسه قد يصنع تعلقًا.
وقد يكشف حرية جديدة.
والفرق لا يكمن فيما يحدث.
بل في الشخص الذي يراقب ويختبر.
وربما، إذًا، لا تكون الكارما والإرادة الحرة متعارضتين.
فالأولى تشير إلى التجارب التي تأتي إلى حياتنا.
أما الثانية، فتشير إلى الحرية الداخلية التي نستقبل بها تلك التجارب ونستجيب لها.
وفي هذا اللقاء تحديدًا، يبدأ التطور الحقيقي.
لأنه لا يوجد حدث، بمفرده، قادر على تحديد حياة كاملة.
فالذي يشكل مسارنا حقًا ليس فقط ما تقدمه لنا الحياة.
بل الوعي الذي نصبح عليه ونحن نعبرها.



اترك تعليقا
You must be logged in to post a comment.