المساواة الحقيقية تبدأ عندما تتوقفين عن محاولة أن تصبحي شخصًا آخر
في كل عام، يذكّرنا هذا اليوم بالنضالات التي خاضتها النساء من أجل الاعتراف بحقوقهن، وكرامتهن، وحريتهن.
ولا شك أن هذه الإنجازات أساسية.
لكن هناك نوعًا آخر من المساواة… أكثر هدوءًا، وأكثر عمقًا، لا يعتمد على القوانين ولا على نظرة الآخرين إلينا.
إنه يبدأ في اللحظة التي نتوقف فيها عن الاعتقاد بأن قيمتنا بحاجة إلى إثبات.
لماذا لا تزال الكثير من النساء يشعرن بالحاجة إلى إثبات قدراتهن؟
ولماذا تعيش بعضهن وكأن كل إنجاز يجب أن يمنحهن أخيرًا الحق في أن يشعرن بأن لوجودهن قيمة؟
ولماذا يبدو الحب أحيانًا وكأنه شيء يجب استحقاقه، والاعتراف أمرًا ينبغي كسبه، والاحترام شيئًا يجب المحافظة عليه باستمرار؟
ربما لأننا تعلّمنا أن نبني هويتنا على الطريقة التي يرانا بها الآخرون.
وطالما أننا نبحث عن وجودنا في أعين غيرنا، سنظل معتمدين على قبولهم واستحسانهم.
فنبدأ بالاعتقاد أننا يجب أن نصبح شخصًا ما.
لكن كيف يمكن أن نصبح ما لم نتوقف يومًا عن أن نكونه في جوهرنا؟
كل إنسان يحمل قيمة أصيلة لا تقوم على المقارنة.
فالوردة لا تحتاج إلى إقناع شجرة البلوط بجمالها.
والبحر لا يحاول أن يقلّد الجبل.
فكلٌّ منهما يعبّر عن طبيعته بكل عفوية.
أما الإنسان وحده، فيشكّ أحيانًا في حقه بأن يوجد كما هو.
ومن هنا تبدأ رحلة لا تنتهي.
يجمع الإنجازات.
والشهادات.
والمسؤوليات.
والتضحيات.
والبراهين.
لكن في كل مرة يصل فيها إلى هدف، يظهر هدف جديد.
لأن أي نجاح خارجي لا يستطيع أن يملأ فراغًا صنعته نظرة خاطئة إلى الذات.
ليس النجاح هو ما يطفئ الشك.
بل اختفاء الشك هو ما يغيّر الطريقة التي نعيش بها النجاح.
هناك فرق عميق بين أن ننمو، وبين أن نحاول إصلاح أنفسنا.
فعندما ننمو، نحن نعبّر عن إمكاناتنا.
أما عندما نحاول إصلاح أنفسنا، فنحن في الحقيقة نحاول إقناع العالم بأننا أصبحنا نستحق الاعتراف.
لكن لا أحد يستطيع أن يمنحنا قيمة لم تغادرنا يومًا.
ويظهر هذا الالتباس أيضًا في علاقاتنا.
كم من شخص يعطي بلا حدود على أمل أن يُحَب أخيرًا؟
وكم من شخص يفقد نفسه خوفًا من أن يُهجَر؟
وكم من شخص يقبل بما لا ينبغي قبوله لأنه يخشى أن يؤدي قوله “لا” إلى اختفاء الحب؟
في تلك اللحظة، لا يعود الحب هو الذي يقود العلاقة.
بل الخوف.
والخوف لا يصنع ارتباطًا حقيقيًا.
بل يصنع التعلّق.
فالحب لا يولد عندما يلتقي نقصان.
بل عندما يتوقف شخصان عن مطالبة أحدهما الآخر بتأكيد وجوده.
عندها تصبح العلاقة مشاركة…
لا تعويضًا.
لذلك، فالمساواة الحقيقية لا تقتصر على الحصول على الحقوق المتساوية، مهما كانت هذه الحقوق ضرورية.
بل تبدأ عندما ندرك أنه لا أحد أعلى من أحد، ولا أحد أدنى من أحد.
فهذه الأفكار تنتمي فقط إلى عالم المقارنة.
والمقارنة لا تظهر إلا عندما ننسى حقيقتنا.
عندما أعرف من أكون حقًا، لا أعود بحاجة لأن أكون أفضل من أحد.
ولا أقل من أحد.
يكفيني أن أكون أنا.
ومن تلك اللحظة، يتغير شيء عميق في الداخل.
لم يعد النقد يحدد هويتنا.
ولم تعد كلمات الإطراء ضرورة.
ولم يعد الرفض ينتقص من قيمتنا.
ولم يعد النجاح دليلًا على استحقاقنا.
بل أصبح تعبيرًا طبيعيًا عما نحن عليه.
فنحن لم نعد نتصرف لملء فراغ داخلي.
بل نبدع لأن الإبداع أصبح التعبير الطبيعي عن الحياة التي تسكننا.
في اليوم العالمي للمساواة للمرأة، ربما لا يكون السؤال الأهم:
“كيف أحصل على الاعتراف؟”
بل:
“من سأكون لو توقفت، ابتداءً من اليوم، عن محاولة إثبات أنني أستحق حقّي الكامل في الوجود؟”
فقيمتنا لا تظهر في نهاية صراع.
ولا تعتمد على المكانة.
ولا على الإنجازات.
ولا على موافقة الآخرين.
إنها موجودة قبل كل تجربة.
قبل الانتصارات وقبل الإخفاقات.
قبل التصفيق.
وقبل الانتقاد.
بل حتى قبل أن يتعرّف إلينا أي أحد.
وعندما تتوقف هذه الحقيقة عن أن تكون مجرد فكرة، وتصبح تجربة نعيشها في أعماقنا، تتغيّر الحياة بأكملها.
فلا نعود بحاجة إلى إقناع أحد.
ولا إلى التنافس.
ولا إلى أن نصبح شخصًا آخر.
بل نكتشف ببساطة أن ما كنّا نسعى إليه طوال الوقت، كان حاضرًا في داخلنا بهدوء منذ البداية.
وربما هنا تبدأ أعمق أشكال المساواة: المساواة التي تنشأ عندما لا يعود أي شيء خارجنا ضروريًا ليؤكد ما نحن عليه بالفعل، في جوهرنا.



اترك تعليقا
You must be logged in to post a comment.