بداية السنة ليست صفحة جديدة.

إنها عودة أعمق إلى الذات.

مع كل بداية عام، يتكرر المشهد نفسه:

قرارات، ووعود، ولوائح أهداف.

كأن في داخلنا شيئًا يجب إصلاحه.

وكأننا بحاجة لأن نصبح شخصًا آخر كي نستحق الأفضل.

لكن الحياة لا تطلب منك أن تتحوّل.

هي تدعوك فقط أن تعود.

أن تعود إلى نفسك.

إلى وعيك.

إلى تلك الحضور الصامت في داخلك

الذي تعرفه جيدًا،

لكنّك أحيانًا تبتعد عنه.

ليس الزمن هو ما يُتعب.

الغياب عن الذات هو ما يُنهك.

نحن لا نُستنزف لأن السنوات تمرّ،

بل لأننا نعبرها دون أن نكون حاضرين فيها.

أكبر انتهاك اليوم

ليس ما يحدث في الخارج،

بل ما يحدث عندما يتخلى الإنسان عن نفسه من الداخل.

حين يعيش على وضعية الطيار الآلي.

حين يتكيّف باستمرار.

حين يخنق حدسه ويضع الخوف فوق الحقيقة.

هناك تبدأ المعاناة.

وهناك يفقد الزمن معناه.

لا شيء في الخارج سيأتي لينقذك.

لا علاقة.

ولا أداة.

ولا منهج.

ولا حتى سنة جديدة.

ما يغيّر الحياة حقًا

هو مستوى الوعي الذي تدخل به في ما تعيشه.

كل شيء في هذا العالم محايد.

الرموز. التجارب. العلاقات.

هي لا تشفي ولا تؤذي.

هي تكشف.

تكشف ما أنت مستعد لرؤيته.

وتستجيب بدقة لمستوى الحضور الذي تجسّده.

الخطر ليس في التجربة بحد ذاتها.

إنه يظهر حين نخوضها بوعي مُجزّأ،

محمّل بالخوف، أو التعلّق، أو السعي إلى التقدير.

بداية السنة ليست لحظة ضغط.

إنها لحظة صدق.

هذه السنة لا تحتاج إلى استراتيجيات صارمة،

ولا إلى صراع مع نفسك.

هي تحتاج فقط إلى سؤال صادق:

في أي موضع تخلّيتُ عن نفسي؟

وأين حان وقت العودة؟

العودة لا تعني الكمال.

العودة تعني الحضور.

الحضور في جسدك.

في مشاعرك.

في ما تشعر به، دون هروب.

العلاقات تتغيّر

عندما تتغيّر علاقتك بنفسك.

كثيرون يبدأون السنة بسؤال:

«ماذا سيحدث في علاقتي؟»

لكن السؤال الحقيقي هو:

«ما هي علاقتي بنفسي؟»

عندما تتصالح مع ذاتك:

– تتوقف عن البحث عن الحب حيث لا يمكن أن يُعطى

– لا تعود تفسّر الإشارات من منطلق الخوف

– ولا تخون حدسك بعد الآن

حينها تتكيّف العلاقات.

بعضها ينسجم.

وبعضها ينسحب.

وفي الحالتين، شيء ما يشفى.

هذه السنة ليست عن المزيد.

ليس المزيد من الجهد.

ولا المزيد من المقاومة.

ولا المزيد من إثبات الذات.

بل عن:

– صدق داخلي أعمق

– حضور أكبر

– حدود أعدل

– ولطف أكثر مع نفسك

هي عن أن تختار نفسك،

دون صراع.

رسالتي لك في بداية هذه السنة:

لا تدخل هذه السنة محاولًا أن تصبح شخصًا آخر.

ادخلها مستعدًا لأن تكون أنت.

عندما تكون حاضرًا،

تتوقف الأشياء عن التعقيد.

وتبدأ بالانسجام.

السنة الجديدة لا تبدأ على التقويم.

تبدأ في اللحظة الدقيقة التي تعود فيها إلى نفسك.

ولتجدك كل سنة…

أقرب قليلًا إلى ذاتك