كثيرون منكم يطرحون عليّ هذا السؤال، أحيانًا بألم، وأحيانًا بحيرة:

لماذا ننجذب إلى شخص لا يستطيع أن يقدّم لنا ما يبحث عنه قلبنا حقًا؟

تقولون لي غالبًا:

«أنا أريد علاقة مستقرة.»

«أريد شخصًا واضحًا.»

«أريد شخصًا حاضرًا.»

ومع ذلك، عندما يظهر في حياتكم شخص مستقر فعلًا، قد لا تشعرون بتلك الشدّة التي تربككم.

بينما الشخص الذي يقترب ثم يبتعد،

الذي يعطي ثم يختفي،

الذي يترك الأمور معلّقة…

هذا الشخص قد يثير فيكم انجذابًا قويًا.

فتسألون: لماذا؟

هل هو نقص في الوعي؟

ضعف؟

سوء اختيار؟

في الحقيقة، هذه الظاهرة تكشف قانونًا أعمق بكثير في الوعي الإنساني.

الانجذاب لا يأتي من الإرادة الواعية

نحن نعتقد غالبًا أننا نختار بعقولنا.

لكن الانجذاب لا ينبع أولًا مما نعتقد أننا نريده.

إنه ينبع مما يتعرّف عليه كياننا الداخلي.

وما يتعرّف عليه كياننا ليس دائمًا ما يفيدنا،

بل ما هو مألوف له.

نظامك الداخلي يتعرّف على بعض الاهتزازات لأنه عاشها من قبل.

ولهذا قد تنجذب لا إلى ما هو مناسب لك،

بل إلى ما يشبه ذاكرة قديمة عن الحب.

حتى لو كانت تلك الذاكرة مليئة بالانتظار،

أو الجهد،

أو عدم اليقين.

الطفولة غالبًا ما تبرمج شكل الحب

أول تجربة حب نتلقّاها في حياتنا تشكّل بعمق طريقتنا في عيش الحب لاحقًا.

إذا ارتبط الحب بالجهد لنكون مرئيين،

أو بالانتظار لنُختار،

أو بالخوف من فقدان اهتمام الآخر،

فقد تربط النفس، بشكل غير واعٍ، الشدّة العاطفية بإثبات الحب.

وفي هذه الحالة، قد يبدو السلام غريبًا.

وأحيانًا قد تبدو الاستقرارية… مملّة.

ليس لأنها كذلك فعلًا،

بل لأن نظامك الداخلي لم يتعرّف بعد على هذه الذبذبة كحب.

حين تتحوّل التوتّر إلى وهم العمق

هنا تبدأ الكثير من العلاقات بالدوران في حلقة.

تشعر بالانجذاب.

ثم يظهر الشك.

فتحاول أكثر.

تعطي أكثر.

تشرح أكثر.

تنتظر أكثر.

ويصبح كل اهتمام من الطرف الآخر مكافأة.

ثم تعود المسافة.

وتبدأ الدورة من جديد.

ليس الحب هو ما يُبقيك في هذه الحركة،

بل ذاكرة داخلية تسعى إلى أن تُحلّ.

ليس الاختيار خاطئًا… بل المكان الذي يصدر منه

عندما تنظر إلى هذه الظاهرة بوعي، تكتشف أمرًا مهمًا جدًا.

السؤال ليس فقط:

«لماذا أختار هذا النوع من العلاقات؟»

بل السؤال الأعمق هو:

من أي مكان داخلي يصدر هذا الاختيار؟

هل هو القلب الحرّ الذي يختار؟

أم جرح قديم يأمل أن يُشفى أخيرًا؟

عندما يبقى هذا الجرح غير واعٍ،

يعيد الوعي خلق مواقف مشابهة.

تتغير الوجوه.

تتغير القصص.

لكن السيناريو الداخلي يبقى ذاته.

التحرر الحقيقي

التحرر لا يعني إغلاق القلب.

ولا يعني أن نصبح قساة أو مرتابين.

التحرر الحقيقي يبدأ عندما تفهم ما الذي في داخلك يعتبر بعض الديناميكيات حبًا.

عندما يظهر هذا الفهم، يتغير شيء ما.

لم تعد تطارد ما يؤذيك،

ولا تهرب مما يطمئنك.

وتبدأ بالتمييز بين:

الإثارة العاطفية… والاتصال الحقيقي.

السؤال الحقيقي

قبل أن تسأل:

«لماذا لا أجد العلاقة المناسبة؟»

اسأل نفسك السؤال الأعمق:

ما الذي في داخلي ما زال يختار من مكان قديم؟

عندما تمتلك الشجاعة للنظر إلى هذا الحيّز الداخلي، يتغير شيء في طريقة حبك.

تتوقف العلاقات عن أن تكون ساحة صراع.

وتصبح مرآة وعي.

وفي تلك اللحظة تحديدًا، يبدأ التحوّل الحقيقي.